
حظي مصطلح ريادة الأعمال بانتشار واسع في السنوات العشر الأخيرة، وذلك تبعاً للتزايد الهائل في أعداد الشركات الناشئة التي انطلقت في هذه الفترة، وكذلك بسبب النجاح الكبير الذي حققته مجموعة من روّاد الأعمال في إطلاق شركات ناشئة، أصبحت خلال سنوات قليلة من كبرى الشركات العالمية، مثل: شركة فيسبوك وأمازون وأوبر وغيرها.
نسلط الضوء في هذا المقال على مفهوم ريادة الأعمال، وروّاد الأعمال، ونستعرض أهمّ المحاور التي تُكسِب هذا القطاع الأهمية سواء على مستوى الفرد أو المجتمع أو الاقتصاد، كما نتطرّق للحديث عن دورة حياة الشركة الناشئة والمراحل التي تمرّ بها، بالإضافة إلى أهمّ أنواع المشاريع الريادية، وكذلك أهمّ الصفات التي يجب على روّاد الأعمال أن يتمتعوا بها، وأخيراً، سنشير إلى أبرز التحدّيات التي تواجه قطاع ريادة الأعمال.
تعريف ريادة الأعمال
يشير مصطلح ريادة الأعمال إلى عملية إنشاء مؤسسة أو شركة جديدة بناءً على فكرة أو مجموعة من الأفكار الإبداعية، بالإضافة إلى الاستعداد الدائم لتطوير هذه الشركة، وإعادة هيكلة عملها، وتتضمن هذه العملية تحمّل كافّة المخاطر الناتجة عن عدم اليقين في نجاح هذه الشركة وإمكانية تحقيقها للربح.
من هو رائد الأعمال؟
يسمّى الشخص الذي يؤسس الشركة الناشئة “رائد الأعمال” وهو شخص لديه فكرة يعتقِد أنها تُقدّم حلّاً لمشكلة تواجه مجموعة محدّدة من الناس، ومن ثمّ فهو يبحث عن طريقة لتحويل فكرته إلى مشروع ناجح، ويسعى بكل جهد لامتلاك الأدوات اللازمة لإنجاح فكرته، ويتحمّل كذلك المخاطر التي يواجهها في أثناء تطبيق فكرته، وغالباً ما يتصف رائد الأعمال بالإبداع والابتكار.
أهمية ريادة الأعمال
تساهم الشركات الناشئة التي يطلقها روّاد الأعمال بتقديم مجموعة من الفوائد، سواءً لرائد الأعمال والعاملين في الشركات الناشئة على المستوى الشخصي، أم على مستوى المجتمع والاقتصاد الوطني، وتتلخّص أهمّ هذه الفوائد بما يلي:

1- توفير مجموعة من فرص العمل: توفّر ريادة الأعمال مجموعة متنوعة من فرص العمل، سواءً بالنسبة إلى رائد الأعمال نفسه، أم للعاملين معه، وتتميز فرص العمل هذه بأنّها مفيدة للمبتدئين في تطوير مهاراتهم من خلال تدريبات عملية.
2- تحسين مستوى الدخل: يهدف روّاد الأعمال إلى زيادة دخلهم من خلال إطلاق شركاتهم الناشئة، وهذا ما يتوفّر لهم بالفعل في حال استطاعوا تحقيق النجاح وتجاوز العقبات.
3- اكتساب مهارات جديدة: يعدّ التعلّم من أكبر الفوائد التي يجنيها رائد الأعمال، إذ يكون مضطراً من خلال عمله لارتداء قبعات مختلفة، واكتساب مهارات كثيرة لا تقتصر على مجال عمله فحسب، وإنما تتعدّى ذلك إلى طيف واسع من الأعمال التي يكون بحاجة لممارستها، مثل التسويق وإتقان المبيعات والتفاوض مع الزبائن وإدارة الأموال والتعامل مع المخاطر وإدارة الوقت بفاعلية وغير ذلك الكثير.
4- المساهمة في تنمية المجتمع: يساهم رواد الأعمال في تنمية المجتمع من خلال الحلول التي يقدمونها للمشاكل الموجودة فيه، أو من خلال تطوير الحلول القائمة والتعديل عليها، ما يؤدّي لدعم الإبداع والابتكار.
5-المساهمة في تنمية الاقتصاد: تشكّل الأعمال الريادية جزءاً كبيراً من حجم الاقتصاد الوطني في كثير من الدول، فهي تساهم في تنمية الاقتصاد عبر المنتجات والخدمات الجديدة التي تقدّمها للمجتمع، وكذلك عبر الابتكارات التي تساهم بفتح أسواق جديدة وتوفير المزيد من الفرص في قطاعات العمل المختلفة.
من أين يأتي رائد الأعمال بفكرته؟
تُعدّ الأفكار التي يتبنّاها رواد الأعمال المحور الأهم عند الحديث عن ريادة الأعمال والشركات الناشئة، إذ إنها الخطوة الأولى واللبنة الأساسية التي يتمّ بناء جميع أجزاء العمل عليها فيما بعد، فمن أين يأتي روّاد الأعمال بأفكارهم؟

واحدة من أهمّ الصفات التي تميّز روّاد الأعمال هي التمتّع بروح الابتكار، ما يعني أنّ رائد الأعمال هو المسؤول عن توليد الأفكار الجديدة، ويتمّ ذلك من خلال التواجد الدائم في السوق، والاحتكاك مع الناس ومعاينة المشاكل التي تواجههم والتفكير بحلول لهذه المشاكل، ولذلك يجب على رائد الأعمال أن يتمتّع بنظرة ثاقبة وقدرة عالية على التحليل.
لا يشترط دوماً أن يأتي رائد الأعمال بفكرة جديدة لم يسبق لأحد غيره العمل عليها، بل يمكنه أيضاً تقليد الأفكار الناجحة في بيئات أخرى واستنساخها إلى بيئته، كذلك يمكنه إدخال تعديلات جديدة على أفكار لمشاريع وخدمات قائمة فعلاً بهدف تطويرها وتحسين أدائها.
دورة حياة الشركات الناشئة

1- إدراك المشكلة واستكشاف الحل المناسب لمعالجتها
تتمتّع هذه المرحلة بأهميّة بالغة؛ لأنّ جميع المراحل القادمة تُبنى عليها بشكل أساسي، وعلى رائد الأعمال في هذه المرحلة أن يبحث عن مشكلة قائمة، ويجد حلّاً لها في الوقت نفسه، وربّما يجد هذه الفكرة نتيجة لمشكلة واجهها دون أن يبحث عنها أصلاً، ويجب أن يتحقّق من سؤالين:
- الأول: هل هذه المشكلة موجودة فعلاً وتواجه فئة محدّدة من الناس؟
- الثاني: هل الحل الذي يفكّر به رائد الأعمال يبدو مناسباً لهذه المشكلة فعلاً؟
- وفي حال كانت الإجابة “نعم” عن كلا السؤالين يبدأ رائد الأعمال بالمرحلة الثانية.
2-مرحلة ما قبل التمويل الأولي Pre-Seed Round
تمرّ معظم الشركات الناشئة بهذه المرحلة، وهي المرحلة التي يتعيّن فيها على رائد الأعمال المخاطرة بمجموعة من الأشياء في حياته، منها وظيفته الثابتة أو عمله الحالي وبعض الأموال والمدّخرات التي يمتلكها، إذ يجب على رائد الأعمال في هذه المرحلة الانخراط بشكل مباشر في عمليّة تطبيق فكرته على أرض الواقع من خلال المنتج الأولي، وهذا يتطلّب منه استثمار أمواله الخاصّة أو أموال عائلته في سبيلها؛ لأنّ الحصول على تمويل من مستثمر خارجي في هذه المرحلة غير ممكن، وذلك لأنّ المستثمرين لا يدفعون مقابل الأفكار!
3- مرحلة تطوير المنتج الأولي القابل للتطبيق بالحدّ الأدنى MVP
يجب على رائد الأعمال في هذه المرحلة اختبار مدى صحّة فرضيّته بشأن الفكرة التي اقترحها لحل المشكلة القائمة، ويتمّ ذلك من خلال بناء الحدّ الأدنى من المنتج القابل للتطبيق بأقل استثمار ممكن للوقت ورأس المال، يستطيع بهذه الطريقة أن يتأكد من مدى تقبّل الفكرة والتعرف على سلوك العملاء اتجاهها، مع تقليل المخاطر إلى أقل مستوى ممكن.
4- مرحلة التمويل الأولي Seed Round
تبدأ هذه المرحلة بعد نجاح مرحلة الMVP، ويتمّ فيها البحث عن مستثمرين للشركة الناشئة والمنتجات أو الحلول التي تقدّمها، يجب على رائد الأعمال خلال جولة التمويل هذه أن يثبت للمستثمرين المتوقّعين أن فكرته قد حقّقت نجاحاً بالفعل، وذلك من خلال البيانات التي تشير إلى اهتمامات العملاء وما حقّقته من إيرادات، وأنّ منتجه جاهز للانتقال إلى مستوى أعلى.
5- مرحلة المنتج الملائم للسوق
إذا استطاع رائد الأعمال الحصول على تمويل لمنتجه، وكان المنتج يحقّق قفزات نوعيّة في عدد المهتمّين به، وتنامياً مطرداً في أعداد العملاء الذين يعيدون شراءه، فإنه يصبح قادراً على أن يطوّر المنتج إلى مستوى أعلى من المنتج الأولي، أي أن يبدأ بتصميم منتج ملائم للسوق يلبي حاجات فئة أكبر من العملاء، وفي هذه المرحلة تبدأ الشركة الناشئة بتحقيق نموّ متسارع.
6- مرحلة توسيع نطاق العمل
إذا تأكد رائد الأعمال من أنّ شركته وصلت إلى حدّ ثابت من النمو، فإنه يستطيع أن يبدأ بمرحلة التوسّع وذلك من خلال توظيف الخبراء في الأقسام الحسّاسة من الشركة، والتي يمكن أن تحقّق مزيداً من النموّ في المبيعات والأرباح، وكذلك من خلال التعامل مع مجموعة أكبر من الشركات والمورّدين، ومحاولة الحصول على استثمارات كبيرة الحجم.
7- مرحلة النموّ
إذا استطاع رائد الأعمال عبور المراحل السابقة بنجاح، وأصبحت شركته الناشئة راسخة في السوق، فإنه يغدو قادراً على البحث عن مزيد من فرص النموّ، إما من خلال تطوير المزيد من الحلول أو المنتجات، أو عن طريق البحث عن عروض الاستحواذ من الشركات الكبيرة التي بإمكانها نقل الشركة الناشئة إلى مستويات متقدّمة وأسواق جديدة كليّاً.
الريادة وحاضنات الأعمال
بدأ كثير من المهتمين في مجال ريادة الأعمال بإنشاء ما بات يُعرف بحاضنات الأعمال التي تتولى استقطاب أصحاب الأفكار والمبتكرين؛ وذلك لدعمهم في تنفيذ أفكارهم وإطلاق شركاتهم الناشئة، إذ تتكون حاضنات الأعمال من برامج متخصّصة في مساعدة روّاد الأعمال على النجاح في أفكارهم، من خلال تقديم مجموعة من الخدمات بما فيها التدريب والتشبيك مع أصحاب الخبرات والمساعدة في إيجاد المستثمرين، وغالباً ما تسير عمليّة الاحتضان وفق المراحل التالية:
1-مرحلة التقديم على برنامج الحاضنة من قبل أصحاب الأفكار المهتمين بتحويل أفكارهم إلى منتجات على أرض الواقع.
2-مرحلة تدريب المقبولين على أهمّ المهارات التي يحتاجونها في ريادة الأعمال، مثل التسويق والمبيعات والتفاوض مع المزوّدين والعملاء والمهارات التقنية الهامّة في سوق العمل.
3-بعد الانتهاء من مرحلة التدريب يبدأ عرض الأعمال على لجنة تقييم لاختيار المشاريع الناجحة التي ستنتقل إلى المستوى الثاني.
4- يتم في المستوى الثاني تشبيك أصحاب المشاريع المقبولة مع أهم الجهات في قطاع عملهم، وكذلك تمنح معظم الحاضنات جوائز مالية للمقبولين كي يتمكنوا من تطوير أعمالهم بسرعة أكبر، كما يتم تخصيص مرشدين خبراء ليرافقوا أصحاب المشاريع في المرحلة الأولى من عملهم؛ ليقدموا لهم الاستشارات اللازمة لتجاوز العقبات التي تواجههم.
5-تبدأ المرحلة الأخيرة وهي مرحلة التسريع، إذ يتمّ في الغالب التواصل مع مستثمرين في هذه المرحلة لتمويل المشاريع الأكثر نجاحاً، وذلك ليتمكّن أصحاب المشاريع من تحقيق قفزات نوعيّة وتقدّم متسارع في عملهم.
أهم سمات رائد الأعمال
يجب على رائد الأعمال أن يتمتّع بمجموعة من الصفات التي تؤهله للخوض في قطاع ريادة الأعمال، ومن أهم هذه الصفات:
- التمتّع بروح الابتكار والإبداع.
- الشغف والتفاني في العمل.
- القدرة على تحمّل المخاطرة.
- القدرة على مواجهة الفشل.
- الثقة بالنفس ووجود الدافع الذاتي.
- التمتّع بروح المنافسة.
- امتلاك مهارات التواصل الفعالة.
- الاستمراريّة في العمل.

أهمّ أنواع ريادة الأعمال
تصنّف الأعمال الريادية تبعاً لتنوّع الأفكار التي يحملها روّاد الأعمال والقطاعات التي يعملون بها، ولكن هناك أربعة أنواع رئيسة للأعمال الريادية هي:
1- ريادة الأعمال الصغيرة
يعبّر هذا النوع عن الأعمال الصغيرة التي يطلقها أصحابها بغرض تحقيق مستوى مقبول من الأرباح التي تكفي لسدّ احتياجاتهم المعيشية، وغالباً لا تكون لديهم نيّة للتوسّع، ومن أمثلة هذا النوع المحال التجارية الصغيرة كالبقاليات، وصالونات تصفيف الشعر والمتاجر الصغيرة لبيع الحرف اليدوية وما إلى ذلك، وغالباً ما يستثمر روّاد هذا النوع من الأعمال أموالهم الخاصة، ولا يلجؤون إلى مستثمرين خارجيين.
2- الشركة الناشئة القابلة للتوسّع
يعبّر هذا النوع عن الشركات التي تبدأ بأفكار فريدة ومبتكرة، وفي الغالب تمثّل أفكار هذه الشركات حلولاً تقنية، وتسعى هذه الشركات إلى التوسّع بشكل كبير، لذلك فهي تحتاج إلى مستثمرين ورؤوس أموال كبيرة للانتقال إلى مستويات أعلى من العمل والتواجد في المزيد من الأسواق.
3- ريادة الأعمال في الشركات الكبيرة
أصبحت الشركات الكبيرة القائمة فعليّاً تهتمّ بقطاع ريادة الأعمال نظراً للتوسّع الهائل الذي يشهده، لذلك تحاول الكثير من الشركات الكبيرة إنشاء قسم مخصّص لريادة الأعمال، بحيث يقوم هذا القسم بالبحث عن مشاكل وحلول وإطلاق شركات ناشئة تتبع للشركة الكبيرة لتقدّم منتجات جديدة.
4- ريادة الأعمال المجتمعية
تهدف ريادة الأعمال المجتمعية إلى تقديم حلول للمجتمع والناس، ولكنها لا تهدف للربح، مثل الأعمال التي تهتمّ بالبيئة والمرافق العامة والصحة وما إلى ذلك.
تحدّيات ريادة الأعمال
يتعرّض روّاد الأعمال للكثير من التحديات لأنّهم يعملون في قطاع ناشئ، لذلك يتوجّب على روّاد الأعمال أخذ هذه التحديات بعين الاعتبار عند التفكير بإطلاق شركاتهم الناشئة، ومن أهمّ التحديات التي تواجه معظم روّاد الأعمال:

1- الفشل
تتعرّض معظم المشاريع الريادية والشركات الناشئة للفشل، وتبعاً لمجموعة كبيرة من الإحصائيات فإنّ نسبة الفشل في هذا القطاع تصل إلى ما يقارب 90 بالمئة من المشاريع، ويعود ذلك إلى أنّ روّاد الأعمال يطلقون مشاريعهم بناء على افتراضات أولية غير مؤكّدة، لذلك يجب على رائد الأعمال التصالح مع فكرة فشل الفكرة التي يعمل عليها، والاستعداد الدائم للتحوّل إلى فكرة جديدة، أو التعديل على المنتجات التي يقدّمها بعد اختبارها على أرض الواقع.
2- عدم إمكانية الحصول على استثمار
لا يقدّم المستثمرون تمويلاً لشركة ناشئة إلا في حال كانت لديهم ثقة كبيرة في أنّ الاستثمار في هذه الشركة سوف يعود عليهم بأرباح كبيرة تستحق المجازفة، لذلك لا يجد معظم روّاد الأعمال مستثمرين أو مصادر لتمويل أفكارهم، ما يوجب على رائد الأعمال البحث عن طرق بديلة للتمويل.
3- ضعف القدرة على النمو والتوسّع
قد تنجح بعض الأعمال في الانطلاق واكتساب العملاء وتحقيق الأرباح، ولكنها لا تستطيع بالضرورة النموّ والانتقال إلى نطاقات أوسع من العملاء والأسواق، لذلك يجب على رائد الأعمال أن يفهم منتجه بشكل جيّد، ويفهم السوق والعملاء أيضاً حتى يتمكّن من توسيع نطاق شركته الناشئة.
ختاماً، على الرغم من الانتشار الواسع الذي تتمتع به ريادة الأعمال ووجود عدد كبير من أصحاب الأفكار الطموحين، إلا أنّ ذلك لا يكفي وحده لبدء الخوض في هذا المضمار، فهناك الكثير من العقبات والتحدّيات التي تواجه أصحاب المشاريع الريادية، وقد ذكرنا أبرزها في هذا المقال ، ما يتطلّب منهم الخضوع لتدريبات مكثّفة في هذا المجال، وإعادة ترتيب أفكارهم، والتمتّع بالانفتاح والاستفادة من تجارب الآخرين، وعدم المجازفة بأعمالهم ووظائفهم وحتى أموالهم قبل تكوين معرفة جيّدة تجعلهم على دراية واسعة في هذا المجال.